الأحكام السلطانية | ابي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي
أمَّا الكتاب الذي نتكلم عنه، فهو “الأحكام السلطانيَّة” وقد ورَد في مقدمته من قول القاضي أبي يعلى: “أمَّا بعد، فإني كنتُ صنَّفتُ كتاب الإمامة، وذَكرتُه في أثناء كَتْب “المعتمد”، وشرحتُ فيه مذاهب المتكلمين، وحجاجهم، وأدلَّتنا، والأجوبة عمَّا ذكروه، وقد رأيتُ أنْ أُفْرِد كتابًا في “الإمامة”، أحذف فيه ما ذكرتُ هناك من الخلاف والدلائل، وأزيد فيه فصولاً أُخَر تتعلَّق بما يجوز للإمام فِعْله من الولايات وغيرها.. إلخ
وقد بدأ الكتاب بفصولٍ في الإمامة تضمَّنتْ تفصيلاً للمسائل التي تتعلَّق بشخص الإمام وولاياته؛ في تقليد الوزارة، وفي ولاية القضاء والمظالِم، والحج والصَّدَقات، ووضع الخراج والجزية، والحمى وإحياء الأرض الموات، واستخراج المياه وأقسامها، والحمى والإرفاق وأحكام القطائع وأحكام الْحِسْبة، وفي هذه الفصول الكثيرُ من القواعد التي تُبيِّن كثيرًا من الأحكام الشرعية في تسيير الدولة الإسلامية ومناهجها في الْحُكم في الأمور؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعيَّة.
وممَّا يلفتُ النظر وجودُ شَبهٍ بين هذا الكتاب وكتاب “الأحكام السلطانية”؛ للماوردي، أو كما يقول الشيخ محمد حامد الفقي: “إنَّ الإنسان يَزداد عَجبًا حين يجدُ عبارة المؤلِّفَين تكاد تكون واحدة، لولا أنَّ أبا يعلى يذكر فروعَ مذهب الإمام أحمد ورواياته، ويَذْكر الماوردي مذهب الشافعيَّة وخلاف المالكية والحنفية، ويزيد أحاديثَ وآثارًا عن الصحابة والتابعين في تأييد مذهبه”، واستطرد قائلاً: “وكان عصرُهما عصرَ تنافُسٍ وتسابق في العلم والتأليف، فلا ندري أيهما بدأ بكتابه أولاً، ولا ندري أيهما حذا حذوَ الآخر ونَهَج منهجه، فإنِّي لَم أقفْ على ما يحقِّق ذلك ويُبيِّن وجْهَ الحق فيه، فإنَّه بعيد كل البُعد أنْ يكونَ كلٌّ منهما ألَّفَ كتابه دون أي صِلةٍ بالآخر، مع ما بين الكتابين من التوافُق”
وقد أوجَدَ الشبهُ بين الكتابين مجالاً للتساؤل حول أيهما تأثَّر بالآخر، فقد عاش ابن الفراء والماوردي في عصرٍ واحد، وكلاهما تولَّى القضاء في بغداد، وكلاهما كانتْ له علاقة بالخليفة، وإنْ كان ابن الفراء أقلَّ اتصالاً؛ لعُزوفه وزُهْده.
وقد يُقال: إنَّ كتاب الماوردي أكثر إحالة، وإنَّ ابن الفراء اقتَفَى أثرَه، فألَّفَ كتابه هذا عن الإمامة؛ ليسدَّ النقْص في كتاب الماوردي الذي أغفَلَ آراءَ المذهب الحنبلي رُبَّما عن عمدٍ؛ نتيجة التنافُس آنذاك بين أتْباع المذْهَبَيْن، وقد يُقال: إنَّ علاقة الماوردي بالخلافة وضَعف علاقة ابن الفراء بها أهَّلتِ الماوردي لأن يكونَ السابق بتأليف هذا الكتاب، وأنَّ شُهرة كتاب الماوردي ترجِعُ إلى إحالته.
ولكن قد يقال: إنَّ ابن الفراء لَم يكنْ أقلَّ عِلْمًا من الماوردي بأمور الإمامة، فغَزارة عِلْمه في الأصول والفروع والْجَدَل تُؤهِّله لأنْ يكونَ الأسبقَ في التأليف في هذا الفرع من الفقه، بل إنَّ بُعدَه عن الاتصال بالسلطة قد يكون حافزًا له على بَيان الأحكام التي لها وعليها؛ لأنَّ البُعد عن الشيء قد يكون مَظِنَّة الخوف عليه والاهتمام به، ناهيك عن كونه قد طرَحَ الكثير من هذه الأحكام في كتابه “المعتمد” كما أوضحه في المقدمة، وأنَّ تركيزَه على المذهب الحنبلي رُبَّما دَفَع الماوردي إلى بَسْط آراء المذهب الشافعي مُضيفًا إليها بعضَ الآراء في المذهبين المالكي والحنفي؛ ليكون كتابُه أكثرَ شمولاً.
أبرز نقاط الكتاب:
-
عقد الإمامة: يشرح شروط الخليفة، وكيفية اختياره، وواجبات الإمام تجاه الأمة.
-
الولايات والإمارات: يفصل أحكام تعيين الولاة، وتقليد الوزارة، وتفويض السلطات.
-
القضاء والحسبة: يوضح أحكام القضاء، وتصرفات القضاة، وواجبات المحتسب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-
حماية البيضة: يركز على حماية الدولة (حماية البيضة) والذب عن الحريم لضمان الأمن.











